الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
60
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
ووصفه تعالى بالحكيم بمعنى المحكم للأمور . فالنقيب الموكول إليه تدبير القوم ، لأنّ ذلك يجعله باحثا عن أحوالهم ؛ فيطلق على الرّئيس وعلى قائد الجيش وعلى الرائد ، ومنه ما في حديث بيعة العقبة أنّ نقباء الأنصار يومئذ كانوا اثني عشر رجلا . والمراد بنقباء بني إسرائيل هنا يجوز أن يكونوا رؤساء جيوش ، ويجوز أن يكونوا روادا وجواسيس ، وكلاهما واقع في حوادث بني إسرائيل . فأمّا الأوّل فيناسب أن يكون البعث معه بمعنى الإقامة ، وقد أقام موسى - عليه السّلام - من بني إسرائيل اثني عشر رئيسا على جيش بني إسرائيل على عدد الأسباط المجنّدين ، فجعل لكلّ سبط نقيبا ، وجعل لسبط يوسف نقيبين ، ولم يجعل لسبط لاوي نقيبا ، لأنّ اللاويين كانوا غير معدودين في الجيش إذ هم حفظة الشريعة ، فقد جاء في أوّل سفر العدد : كلّم اللّه موسى : أحصوا كلّ جماعة إسرائيل بعشائرهم بعدد الأسماء من ابن عشرين فصاعدا كلّ خارج للحرب في إسرائيل حسب أجنادهم ، تحسبهم أنت وهارون ، ويكون معكما رجل لكلّ سبط رؤوس ألوف إسرائيل « وكلّم الربّ موسى قائلا : أمّا سبط لاوي فلا تعدّه بل وكّل اللاويين على مسكن الشهادة وعلى جميع أمتعته » . وكان ذلك في الشهر الثّاني من السنة الثّانية من خروجهم من مصر في برية سينا . وأمّا الثّاني فيناسب أن يكون البعث فيه بمعناه الأصلي ، فقد بعث موسى اثني عشر رجلا من أسباط إسرائيل لاختبار أحوال الأمم الّتي حولهم في أرض كنعان ، وهم غير الاثني عشر نقيبا الذين جعلهم رؤساء على قبائلهم . ومن هؤلاء يوشع بن نون من سبط أفرايم ، وكالب بن يفنة من سبط يهوذا ، وهما الوارد ذكرهما في قوله تعالى : قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ [ المائدة : 23 ] ، كما سيأتي في هذه السورة . وقد ذكرت أسماؤهم في الفصل الثالث عشر من سفر العدد . والظاهر أنّ المراد هنا النقباء الّذين أقيموا لجند إسرائيل . والمعيّة في قوله : إِنِّي مَعَكُمْ معيّة مجازية ، تمثيل للعناية والحفظ والنصر ، قال تعالى : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ [ الأنفال : 12 ] ، وقال : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه : 46 ] وقال : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [ الحديد : 4 ] . والظاهر أنّ هذا القول وقع وعدا بالجزاء على الوفاء بالميثاق . وجملة لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ الآية . واستئناف محض ليس منها شيء يتعلّق ببعض ألفاظ الجملة الّتي قبلها وإنّما جمعهما العامل ، وهو فعل القول ، فكلتاهما مقول ، ولذلك